Planets2008-ar
قراءه في الكواكب (نبتون)

التنقية والصقل، والتطهير. الخداع، التضحية، والتفوق والهروب. المُثُل العليا، الأحلام، التخيلات، والفتنة.
نبتون يميل إلى تصفية كل الطاقات التي تتصل به في خارطة الميلاد. وهو سيسعى لتصفية وتطهير وتنقية؛ وإزالة كل العيوب والنقائص. وتعود الكواكب التي يمسها نبتون أكثر نقاءً، وأصعب منالاً، فنبتون يميل إلى تجريد أحكام الكواكب التي يتصل بها مما يتعلقها من فظاظة أو ابتذال، وسيجعل كل ما تمثله تلك الكواكب أكثر حساسية، و رقة، ونقاءً.
والقدرة على تمييز وتقدير الرقة هي واحدة من المواهب الرئيسية لحكم كوكب نبتون. وهذا هو بكل تأكيد أحد الاسباب في أنَّ أصحاب الخرائط التي يمسها نبتون بقوة هم في العادة مبدعون جداً، أو فنانون. وبالنسبة للفنان – لا فرق بين الفنون الجميلة، والموسيقى أو الدراما- فهو في العادة شخص ما ذو وعيٍ عالٍ بالأشكال، والألوان، أو الأصوات.
ولكن علاقة نبتون بالتنقية ليست خبراً ساراً على الدوام. فكلما ما تمت تنقية شيء ما، تغيرت حالته الأصلية إلى حدِّ بعيد. وبإمكاننا مثلاً أن نتأمل تنقية السكر أو الطحين، ربما تنتج هذه العملية شيئاً يسرُّ الناظرين، لكنه اصطناعي في الواقع. وها قد أصبح السبب في اشتهار نبتون بالزيف والخداع وعدم الأمانة جلياً واضحاً.
وفي رفع تجربة ما، أو إعلائها، فإنَّ نبتون يأخذنا بعيداً عن تلك الفكرة، أبعد ما يمكن عن الواقع. وعندما يؤخذ منا شيء ما بعيداً، أبعد من أن نراه، فمن الواضح أننا لن نستطيع إدراكه أيضاً.
وفوق هذا وذاك، كما تخبرنا الكتب، فإنَّ نبتون يمثل لهفتنا للسمو والهروب من الحياة العادية. وأياً كان ما يلمسه نبتون في الخارطة، فإنّه سيحث ذلك الجزء منا للخروج عن النمطية، وتجاوز الحدود والحواجز التي يفرضها علينا العيش في عالم حقيقي.
وسيدفعنا نبتون للتسامي عن الاعتبارات الأرضية والمادية. وفي أفضل الأحوال فسيلهمنا نبتون للتقدم، والامتياز، والتفوق، والرفعة. وهذه هي كيفية نشوء الرابطة بين نبتون والمثالية على الأرجح.
وعندما يلمس نبتون كوكباً ما في خارطتنا سنصبح قادرين على أن نكون مثاليين جداً في التعبير عن طاقات الكوكب تلك. ودائماً ما نود القيام بذلك باسمى وأنقى الطرق. لدرجة أنَ هنالك هوةً واسعةً تتنامى بين الحلم بما نريد وحقيقة ما لدينا، ووجود أمل منطقي في الحصول عليه، الشيء الذي ربما يتطور إلى نوع من الشهادة فتتخلى عن كل شيء. ومن هنا اشتهر نبتون بالخسارة.
وعندما يتصل نبتون بأحد الكواكب، فعادة ما نجود بما يمثله ذلك الكوكب، ونصبح ضحايا أو شهداء في سبيل ذلك، فكلٌ من الشهداء والضحايا يضحُّون بأنفسهم، والفرق الوحيد بينهما هو على الأرجح أنَّ الشهيد يضحِّي بنفسه حتى يحصل على نوع من الفضل والمجد، أو لأنَّ التضحية تحمل معنىً ذا طابع روحي.

وأينما يكون نبتون، أو ما يلمسه يميل لعدم قبول (وربما عدم الاعتراف حتى) بالحواجز، وهذا يبدو كأن لا شيء سيقف في طريق تحقيق تلك الأمنية أو الحلم أو الرغبة. وهذا مفيد لتحقيق المثل الأعلى في الواقع، لأننّا مكبلون بالأصفاد حيث نكون، وربما لدينا وعيٌ غير عادي بالمحددات الأرضية، والتي في وجودها لن نأمل في تحقيق أي شيء. وعدم قبول الحواجز شيء مفيد لأنَّه يفتح لنا تلك الاحتمالات التي ربما تكون مفعمة بالسحر والغموض والاستثنائية. كما أنَّه يفتح الباب أيضاً على مصراعيه لاحتمالات الثورات والفوضى وكل ما لا يُحمَد عقباه.
أما تجاهل الحواجز فيعمل بطريقتين، عندما تكون الحواجز قليلة نكون أكثر انفتاحاً على التجارب، ومنفتحين أيضاً على غواية الآخرين لنا، وكذلك قادرين على إغواءِ الآخرين.
وبغياب هذه الحواجز تكون الفرصة سانحة لنبتون لممارسة غوايته على الآخرين، والتي يقوم بها متسللاً.
وهذه الصورة هي لغرفة حيث توجد حواجز بين الداخل والخارج. وهنالك جدران وسقف، ودعنا نقول إنَّ الأبواب والنوافذ مغلقة. فإنْ كان هنالك تسرب للغاز في الخارج، فسيظل بإمكانه التسلل إلى داخل الغرفة، لأنه سيزحف من تحت الباب، وينسرب من خلال الشقوق في الجدران. ومهما بدت الغرفة محكمة الإغلاق، فإنَّ الغاز سيكون قد تسرب إلى الغرفة العادية. وهكذا على ما يبدو يكون سلوك نبتون. فنبتون هو الدال على التسريبات بكل صفاتها ( بما في ذلك الفضائح والأسرار)، والتي تميل لأن تكون خفيةً ومفزعة. واحتواء التسرب ليس بالشيء السهل. ربما فقط تلك الأشياء التي يرمز لها زحل قد تستطيع ذلك: الحواجز والجدران والدفاعات.
وعندما يلمس كوكبٌ ما نبتون، فمهما كان ما يمثله ذلك الكوكب، فسيكون دائماً معرضاً لحدوث التسربات. عطارد ونبتون قد يسرب المعلومات: وهو ليس الشخص المناسب لأن تشاركه أسرارك. والشمس ونبتون، الحواجز بينه وبين الآخرين مهترئة وبالية والذات واللا ذات يسربان في بعضهما.
إنَّ نبتون لا يبحث فقط لتصعيد أحكام ما يلمسه، ولكنه يميل إلى الرغبة في المزيد والمزيد من تلك التجربة. فنبتون هو الذي يمثل كل أشكال الماء، وحيث ما يلمس نبتون شيئاً ما في خريطتنا، فنستطيع الإحساس بالعطش الأبدي لكل ما يمثله ذلك الكوكب. فقد نشعر عندها بعدم الرضا، أو عدم الرغبة في قبول الأشياء كما هي. والشمس- نبتون مثلاُ، وعلى الدوام لديه رعب معين تجاه أن يكون عادياً أو أرضياً، وغالباً ما يتوق لأن يكون شيئاً خاصاً، أسمى. الزهرة ونبتون سيكون ظامئاً للحب، وللمثل الأعلى والعلاقة الكاملة. والفرد قد يميل عندها إلى التقدم في الحياة إما بتمجيد الجميع أو تجنب العلاقات على إطلاقها، في بحث دائم عن شخصية إلهية.
فنبتون يحب السحر(Glamour). أينما يمس نبتون كوكباً ما في خارطتنا، فسنريد ما أن يتم التعبير عن ما يمثله ذلك الكوكب بأروع الطرق الساحرة .
وتعريف كلمة (Glamour) هو: ” السحر، الإبهار، التعاويذ. . .، السحر الوهمي أو الفاتن”. والموصوف بهذه الطريقة، فكرة السحر تستحضر عالم جنيات الحكايا، عالم حيث هنالك الملوك والملكات، الأمراء والأميرات. التعاويذ والجنيات العرابات، وما شابهها. فقصص الجنيات، أحلام اليقظة، التلفاز، الفيلم، الموسيقى، وكل هذه الأشياء تبعدنا عن رعب الواقع. فهي تمنحنا مساراً للهروب، ونبتون معنيٌّ بهذا كله. ولكن يبدو بوضوح أنَّ حياتنا الخيالية قد تمنحنا ما هو أكثر من طريقٍ للهرب. الكتابة عن فائدة قصص الجنيات للأطفال- يكتب برونو بتلْهايْم في كتابه استخدامات السحر:
“يحتاج الطفل إلى فهم ما يجري من خلال نفسه الواعية وعليه فإن بإمكانه التأقلم مع ذلك الذي يجري في لا وعيه. وهو قادر على الوصول إلى هذا الفهم، وبه و يكون قادراً على التأقلم، ليس عبر الفهم المنطقي للطبيعة ومحتويات لا وعيه، بل بأن يخلق نوعاً من الإلفة معها عبر إعادة شريط أحلام اليقظة، واسترجاع التأملات عن عناصر قصة مناسبة في استجابة لضغوط العقل الباطن.”
وأنا أشك في أنَّ ما يكتبه برونو بتلْهايْم حول الأطفال وقصص الجنيات قد ينطبق بالقدر نفسه على الراشدين واحتياجاتهم للتلفاز، والسينما، والعائلة المالكة، وما إلى ذلك.
ومثل قصص الجنيات، هذه وسائل النقل للصراع الدائم الذي نشعله كلنا لفهم ماهو “الطيب” وما هو” الخبيث”، وما هو “الصحيح” وما هو”الخطأ”. وهذه الوسائل تبدو أنها تساعدنا-بصورة غامضة- على إضفاء قيمة معنوية على حيواتنا. فأحلامنا أيضاً يمكنها المساعدة على منح حياتنا معنى يربطنا بلاوعينا. فهي ربما بطريقةٍ ما تطهرنا، وتنقينا. والدال على الوسيط هو بالطبع نبتون. (عائلتنا المالكة بالتأكيد هم مثال على الحاجة الجمعية للسحر) وهي حقيقة تتحول إلى ملوكٍ وملكاتٍ، وما إلى ذلك بفعل الإعلام. وقد استغربت لفترة طويلة لشعبية ما يسمى بـ “صحافة الفضائح”- التبلويد. ما الذي يجعلها على هذا القدر من الشعبية؟ بالتأكيد أنه قد تم إعطاؤنا جرعة هائلة من نبتون مع هذه الصحف؛ وبالتأكيد فإنها تحقق مبيعات لأنَّ قصصها بعيدةٌ كل البعدِ عن الواقع، ولأنها ولمدى كبير غير حقيقيةٍ، فنبتون يصقل بإزالة الفروق الطفيفة. وقصص التبلويد يمكن أن تكون غير حقيقية، مثل أحلامنا، مبنية على تشويه الحقيقة. فأحلام يقظتنا، والتلفاز والتبلويد كلها تقدم لنا سبيلاً للهرب. فهي تزيف لنا الحياة الواقعية، وتحولها عادةً إلى شيءٍ منفّرٍ عن طريق تضخيم القصص بصورة تفوق كلَّ ماهو واقع. وأحلامنا تفعل الشيء نفسه، وتأتي الرسائل دائماً بصيغةِ حرفيةِ ولكن مبالغٌ فيها. وبعرض الأشياء بنظام اللونين الأبيض والأسود ستمنحنا مفردات أحلامنا القدرة على تحديد النقاط البارزة بسرعة.
وكذلك نحن من يعطي الدلالة لتفسير لأحلامنا الشخصية، فنبتون أيضاً مرتبط بأحلام واشتياقات الجماعة. والناس ممن لديهم توكيدٌ قويٌ للكوكب في خرائطهم بزوايا ضيقة مع الكواكب الشخصية على سبيل المثال، فدائماً ما يكونون في موقفٍ لتمثيل هذه الصور أو التخيلات الجمعية، وعلى هذا النحو يجيء المشتغلون بالفنون في الغالب الأعم.
وهم يتحدثون إنابة عنّا، ولنا، وبالتحديد لأجيالهم المعينة التي تستضيف نبتون في المكان نفسه من البرج تقريباً. وهذا هو الغرض من نبتون، أنْ يخبرنا أنَّ هنالك جانباً آخر للحقيقة، وأنَّ هذه الحقيقة قد تكون زائفة، وأكثر مباشرةً، وأنَّ المظاهر خادعة ولا شيء يبدو كما هو تماماً. وربما إنَّ تأملنا في نبتون فسنضع في اعتبارنا ” استخدامات السحر”.

المصدر : آسبكتس سو تومبكنز

Comments

comments