اثار كوكب زحل

” إن فعلت ما لا يجب عليك فعله، سيتحتم عليك أن تتحمل ما لا تطيقه”
بنجامين فرانكلين”

الخوف، والسيطرة والإنكار، والسلطة، والانضباط، الوقت، تعلم الأشياء بالطرق الصعبة، والمسئوليات، والواجبات.
ووراء كل هذا ربما يمثل زحل الخوف، والكثير من المشاكل والصعوبات التي تحيط هذا الكوكب يمكن تتبعها ببساطة إلى هذا الحكم الجذري. وعندما يتصل زحل بكوكب ما في خريطتنا فنحن نميل إلى التخوف من التعبير عن ما يوحي إلينا به ذلك الكوكب من أفكار. بل أكثر من ذلك، فنحن نشعر بالعجز عن التعبير عنها، وذلك لإحساسنا بالعجز في ذلك الجزء من أنفسنا، العجز والارتباك والوهن الشديد. من الطبيعي تماماً ألا نرتاح عندما يرى الناس عجزنا من خلال ذلك الجزء الضعيف من أنفسنا. والذي يشبه لنا حيواناً مرتبكاً وعاجزاً، لأنه لم يسبق لنا أن شهدنا حالة مشابهة قد قوبلت بالاستحسان أو القبول من الآخرين، وحتى إن فعلوا، فما جدوى ذلك؟ فإصدار حكم بهذا الشأن يعتمد فقط على مدى وعينا بالذات.
ومن العجيب بعض الشيء ارتباط زحل بتلك الفكرة اليونغية عن “الظل” وهو ذلك الجزء من أنفسنا الذي لا نحاول فقط أن نخبئه عن الآخرين، بل نخفيه عن أنفسنا أيضاً وبنجاح تام.
فنحن نخبيء زحل بمحاولة تغليف خوفنا ببعض الصيغ المقبولة اجتماعياً، أو بالتظاهر بسلامة تلك الأجزاء المعطوبة فينا. وعليه فربما في الوقت الذي يخبرنا فيه زحل عن مكامن ضعفنا، نتمكن في العادة من إخفاء “كعب آخيل” الخاص بنا عن الجميع ولا نستثني أنفسنا من ذلك. وإنه لمن المهم إدراك هذه الطريقة في التعامل مع زحل عندما ندرس اتصالاته في خارطة الولادة، نظراً لأنَّ المولود في أول لمحة قد لا يبدو ضعيفاً في ذلك الجزء من حياته، بل وقد يبدو على درجة عالية من التطور والبراعة فيما يخص تعامله مع نقطة الضعف تلك.
ولا يكون ذلك التطور “زائفاً” على الدوام، لأننّا في النهاية قد نصبح ماهرين جداً في التعامل مع تلك الأشياء التي كانت في باديء الأمر أكبر مشاكلنا. محولين الرصاص إلى ذهب مثلما قد يفعل الخيميائيون. ولكن هذا لا يتأتى لنا إلا بعد زمن طويل وفقط ببذل الكثير من الجهد. بعد مواجهة مخاوفنا وربما التعرض لما لا يحصى من الخيبات، وعند تعلم الأشياء بالطريقة الصعبة، وعبر التجربة والخطأ والصواب، ستكون معرفتنا بها شاملة، أي نصبح خبراء في ذلك المجال.
وهذا ما يبدو زحل مصمماً عليه، أن نواجه المشاكل، أياً كانت، ومن كافة جوانبها. وذلك لأنَّ زحل دائماً- على عكس المشتري- لن يتركنا ننجو بأفعالنا مهما كانت. إذن فالاتصالات من زحل إلى أي كوكب آخر في خريطتنا يمكن أن تعطينا، فهماً حقيقياً لما يمثله ذلك الكوكب عندما نكون أكبر سناً على أية حال. ومن جهة أخرى، فبإمكاننا أن نتظاهر بوجود تلك المعرفة ببساطة. كيف لنا أن نعرف الفرق؟ عندما نتصرف مع كوكبنا زحل فقط (ولكن دون أن نكون على وعي بأننا نفعل ذلك)، فنحن نميل إلى التعبير عن الكوكب العالق في طريق موجهة ومرسومة. ونتصرف بالطريقة التي نعتقد أنه من واجبنا اتباعها في الظروف المعينة، وماهو السلوك الذي يتوقع المجتمع أن يصدر عناّ؟ كيف يتوقع أن نتصرف؟ فالشيء المفقود هنا هو التلقائية في التعبير عن النفس؛ والاستجابة الزائفة حتماً والمقبولة اجتماعياً، تكون في العادة أكثر إثارة للملل، بينما يفتقر الحديث عن كل الأشياء العادية إلى الصدق بدرجة ما. ربما المسألة أكثر شبهاً بطفل يكتب خطاب شكر تقليدي على هدية عيد الميلاد- إنّه نوع من الاستجابات الـ”نمطية”.
بدون شك فإنَّ اكتشاف ما يمثله زحل عملية مؤلمة وطويلة المدى. ويبدو أنّ للألم أيضاً هدفاً ما مثل كل شيء آخر، نظراً لأنّ آلامنا تخبرنا أنّ هنالك شيئاً ما داخلنا ليس على ما يرام. فالألم يخبرنا أنّ هنالك جرحاً في مكانٍ ما يطالب باهتمامنا. الخوف كذلك له هدفٌ. وإنّه الخوف ما يجعل الأرنب يتجمد في مكانه أو يحمل الظبي على الجري هارباً. فالجمود أو الهرب هما آليتان للدفاع. والدفاعات تحمينا، مثل الملابس التي تقينا البرد في الشتاء.
وبمقدور اتصالات كوكبنا زحل وصفنا بالافتقار إلى الحمائية، أو الإفراط فيها، وفي طور الطفولة، كنا ذوي احتياج خاص لدفاعاتنا، فالطفولة هي أهم أوقات تشكيل هذه الآليات الدفاعية، ولكن بينما نتقدم في العمر قد تصبح هذه الدفاعات غير ملائمة وربما خانقة أيضاً.
وعندما يكون أول شيء تقع عليه أعيننا هو حائط من الطوب، فلن يمكننا النظر إلى آفاقٍ أبعدٍ أبداً. وكذلك الأمر عندما يتصل زحل بكوكب ما في خارطتنا الفلكية، فإنه يكون على الأغلب كما لو أننا قمنا ببناء حائط من الطوب حول تلك الأشياء التي يمثلها ذلك الكوكب. والكثير من الأشخاص الذين يعانون من وضعيات زحل الصعبة في خرائطهم، يمضون الجزء الأكبر من حياتهم كراشدين في هدم ذلك الحائط ببطء، لبنةً لبنةً. لأنَّ مواجهة “الظل” يجب أن تتم ببطء وبحذر واحترام شديدين.
عندما نغالي في الحمائية، ونحيط أنفسنا بالكثير من الجدران فنحن بذلك نحجب الكثير من الاحتمالات في حياتنا، لأننا في هذه المنطقة نكون خائفين جداً من المخاطرة.
وهذا أيضاً أحد الأسباب التي تجعلنا نربط زحل بالألم، لأننا في حالة الألم عادة ما نشعر بالتحسن إن تمكنّا من الاسترخاء وصرفنا أذهاننا عن التفكير فيه. وفي الغالب الأعم يكون التعلق بهذا الحال مؤلماً، ولكن مع اتصالات زحل نكون أكثر خوفاً من أن نتحرر من ذلك الوضع. فقد كانت دفاعاتنا تحمينا طوال الوقت وحتى الآن، ونحن نؤمن أنها ستظل كذلك على الدوام، ولكن قد تكون هذه اللحظة هي اللحظة المناسبة للاستغناء عنها.
حكم زحل الآخر هو التحكم، وهو يعزى أيضاً إلى الخوف في كثير من الأحيان، وذلك لأننا وفي حالات الخوف كثيراً ما نحاول السيطرة على مجريات الأمور أياً كانت. ونرغب في أن تكون الأشياء محددة بوضوح تام. وعندما يمس زحل كوكباً ما في خارطتنا، نميل إلى البحث عن تعريف كل ما يمثله ذلك الكوكب. فزحل والزهرة مثلاً يخشى عدم الحصول على الحب، والكثيرين جداً يدفعون شركاءهم لتحديد مشاعرهم. هل تحبني؟ كم تحبني؟ هل سيدوم إلى الأبد؟ وبالطبع لن يحصلوا على الإجابة المطلوبة بهذه الطريقة، لأنَّ المشاعر لا يمكن أن تُقاس أو تُعرَّف بهذا الأسلوب، وقد لا يريد الشريك – على أية حال- أن تُفرض عليه الاستجابة بهذا الشكل. عليه فإنَّ نوع الزهرة – زحل سيبتعد وهو يشعر بأنه غير محبوب، وغير مقدّر، ليجلس وحيداً في غرفة، وهو يواجه ليلة أخرى بالتباكي على عدم وجود من يكترث لأمره.
ويفضي بنا تتبع مشاكل زحل إلى بداياتها في مرحلة الطفولة. ومن الطبيعي في تلك المرحلة أن نشعر بأننا محرومون من تلك الأمور التي ترمز لها الكواكب المتصلة بزحل. ونتيجة لشعورنا بالحرمان منها، نزداد لها لهفةً وبها ولعاً. وقد تصبح هذه الأشياء هي السبب الوحيد لوجودنا على قيد الحياة. وربما لا ذنب لأحد في ذلك الحرمان الذي عشناه في سنوات طفولتنا الأولى بل يكون قد حدث بسبب بعض الألاعيب الملتوية القاسية للقدر، القدر نفسه الذي نشعر حياله بالامتنان عندما ننجو من أولى زلات أقدامنا.
وعلى الرغم من أنه ليس بالإمكان إلقاء المسئولية عن المشاكل التي نواجهها في سن الرشد على الطفولة التي عشناها، يلزمنا استشكاف سمات حياتنا الباكرة، حتى يتسنى لنا تحقيق السلام والتصالح مع ماضينا وإثراء مستقبلنا. بيد أنَّ صور الطفولة مفيدة لاتصالات زحل على كل حال، لأنَّ الكواكب المتصلة تجعلنا نشعر بما يشعر به طفل صغير عندما يواجه بصوت السلطة القاسي. مثلاً الأشخاص من نوع زحل – عطارد كثيراً ما يشعرون بعد كل تجربة يخوضونها لتعلم شيء ما، كأنهم في قاعة الامتحان يؤدون امتحاناً حقيقياً. وحتى عندما لا يكونوا قد تعرضوا لظروف دراسية قاسية في ماضيهم، أو مروا بامتحانات فائقة الصعوبة. ولكن هذه الصورة مفيدة بشكل ما، وهي إحدى الأشياء التي يمكن أن نتحاور حولها.
ففكرة الشعور بالحرمان من شيء ما، واشتهائه، وهي في اعتقادي فكرة لا تخلو من فائدة، وهي تأتي لأنَّ زحل عندما يمس كوكباً ما يميل إلى اشتهاء تلك الأشياء التي يعلن عنها الكوكب الآخر. ومع الشمس أيضاً يمكن أن يشتهي الإدراك، ومع القمر الرعاية، والبيت والأسرة، ومع الزهرة الحب والعاطفة ومع المشتري الإيمان وهكذا. فاتصالات زحل بالبيوت، والهيئات- وبدرجة بسيطة بالبروج – تصف هذه المجالات التي نفتقر فيها إلى الثقة، وعندما نشعر بالالتزام وبوجوب تحقيق أداء أفضل.
وكثيراً ما نعتذر للأجزاء التي يمسها زحل في خارطة الميلاد، وفي اعتذارنا لا نعبر فقط عند الندم، ولكن نؤكد أننا لا نعتقد بأننا على درجة جيدة من الكفاءة. في بعض الأحيان نقدم شيئاً من التبرير لأخطائنا وندافع عن أنفسنا بذلك السلوك. وقد قام أحد أساتذة الفلك بملاحظة هذا الجزء من الخريطة حيث يبدو أنه لدينا مدرس داخلي يلقي علينا أوامره الصارمة بالعمل أكثر وأكثر، وأن نكون أفضل مما نحن عليه، وأن نحاول مراراً وتكراراً. فزحل يحرم، ويؤجل، ويقيد، ويقمع، وبشكل عام يبطيء، بل ويقعدنا عجزاً في بعض الأحيان، ويطوِر ما يتصل كائناً ما كان. والغرض من كل هذا الحرمان والتقييد هو دائماً اختبار مشروعية ما نفعل، أو ما نعتقد أننا نرغب به.
وعلى النقيض من المشتري، الذي يصف دائما حيث نشعر بالثقة أو نمضي إلى حيث نشعر بالتحسن، وإيجاد المعنى. فزحل يصف المكان الذي نميل إلى أن نشعر فيه بأننا أقل ارتياحاً، وأكبر خوفاً، وأعظم عجزاً، وأكثر ضعفاً.
وحتى نتمكن من الإحساس بزحل فيمكن للمرء تأمل عنصر الرصاص، وهو الذي يحكم. فالرصاص فلز غاية في الثقل، والجمود في المظهر، والاستدامة- فهو لا يصدأ بسهولة، وربما لهذا السبب تم استخدامه في أنابيب المياه، وما زال يستخدم في السقوف. وزحل كالرصاص يضفي على كل ما يتصل به في الخريطة صفات الجمود والثبات. ويبطيء من تطور كل ما يلمسه، ولكنه أيضاً يصمم على أن يشمل ذلك التطور كل الجوانب الممكنة، دون استخدام أية طرق مختصرة. وقد يظهر زحل جافاً، ولكنه يمنح الاستدامة. فهو يصر على التريث والتمهل في القيام بمختلف الأمور. كما يهتم زحل بالقوانين والنظم ( مرة أخرى فيما يتعلق بفعل الشيء الصحيح)، والواجب، والمسئولية، والانضباط. فالقواعد والقوانين في معناها الأوسع قد وضعت لحماية الفرد والمجتمع ككل. تم وضع قوانين الوالدين بهدف حماية الطفل، وتعليم النشء فيما يتعلق بالحدود، والقيود والمسئوليات التي ينطوي عليها العيش في عالمٍ ماديٍّ. وربما يكون في هذا شيء من التشدد، لكن التهذيب يولِّد لدى الطفل خوفاً من كل أشكال السلطة (الداخلية والخارجية) ويجعله غير قادر على التعبير عن فردانيته.
جرى العرف والتقليد على ربط زحل بالأب، وفي بعض الأحيان بالأم. ويبدو بوضوح أنَّ زحل يظهر ارتباطاً قوياً مع الصورة الداخلية للأب، وغالبا مع الصورة الجسمانية للأب أيضاً. ويكون الوالد – أو أي سلطة أخرى- مؤدياً لدور زحل حينما يفرض بنفسه الانضباط وينفذ العقوبات. وليس من الضروري أن يكون الانضباط سلبياً، فزحل يرمز أيضاً إلى اكتشاف أنَّ النار تحرق الأصابع التي تقترب منها كثيراً أو تلمسها. وعليه فإنَّ زحل يمثل أشكال السلطة بشكل عام، كما يرمز لاحتياجنا لتطوير التهذيب الذاتي، وضبط النفس. اتصالات زحل الصعبة تقترح دروساً حول مشاكل السلطة، أن نتحلى بالقدرة على قبول سلطة الآخرين أو القدرة على تنميتها على المستوى الداخلي للذات. واتصالات زحل بشكل عام تغدو أفضل بتقدم العمر، حيث تظهر القدرة على تقبل حقيقة أنَّ العيش في العالم الحقيقي ينطوي على التعايش مع الخوف، والقيود والمحددات، ولكن بعض هذه الأمور قد تكون ببساطة من صنع أيدينا. فزحل هو الكوكب المعني بتقدم السن، وهو معنيٌّ أيضاً بتحمل المسئوليات والواجبات التي درجنا على ربطها بمرحلة الرشد. فأوضاع زحل واتصالاته في العادة تحمل الكثير من المعلومات حول الطريقة التي نتعاطى بها مع هذه المسؤوليات والواجبات.

المصدر : آسبكتس سو تومبكنز

تعليقات

تعليقات