كوكب ابلوتو
قراءه في الكواكب (بلوتو)

الموت، التحول، الميلاد الثاني، المحرمات، النجاة، الهوس، القسر، الأزمات، الاغتصاب، جنون الارتياب.
في خيار الموت بالطبع، يكون العكس مستتراً. فعندما نختار الموت لا يمكننا اختيار الحياة. وعندما نستطيع قول “لا” للحياة، نكون في الحقيقة لم نقل لها نعم، ولكننا انجرفنا مع التيار الجمعي
وعندما يتصل بلوتو بكوكب أو نقطة أخرى على الخارطة، فهو يبدو معمقاً ومكثفاً لتلك الأشياء التي يمثلها الكوكب. ومع الوضعيات الصعبة، وأثناء التعبير عن بلوتو يبدو شاذاً بالنسبة لتعبير الكواكب الأخرى. فبلوتو يبدو دائماً كأنه يدفن أو يقتل الكوكب الآخر. عليه فالأشخاص في اتصالات بلوتو مع القمر مثلاً دائماً ما يدفنون مشاعرهم ويشعرون بانقطاعهم عنها، وفي بعض الأحيان لفترات طويلة.
وفي الأسطورة يصعد حادس (بلوتو) من العالم السفلي لفترة تكفي فقط لخطف واغتصاب بيرسيفوني البريئة، والتي عندئذٍ قدِّر لها أن تعيش في العالم السفلي معه. بينما كان مسموحاً لها على الأقل بقضاء جزء من السنة مع أمها ديميتر، كما يقول هايدن بول في كتابة “قيامة طائر العنقاء”: وفي الوقت الذي يبدو فيه هذا كحكاية لفساد الشر، وهي رمز للعملية النفسية”. ويستمر: “بالنسبة لبيرسيفوني، فهذا هو الوقت المناسب لبدء حياتها كإمرأة. وأنْ تؤخذ قسراً من حياتها السابقة، والتي تجاوزتها الآن، وأضطُرّت إلى التجربة والتغير لتستوعب عالماً جديداً تماماً. وهذا جزء من أحداث مقدَّرة لها منذ ساعة ولادتها؛ وكما هو الحال دائماً، يؤدي بلوتو الدور الأمثل للصورة والرمز كمحرضٍ لها، وحارسٍ الوقت في حياتها. إنها تجربة ضرورية للنمو وتتضمن صيغة ترمي إلى أنَّ الاختراق من قبل اللاوعي يقود إلى المزيد من النور/ التبصر الذي يتيح التكامل الداخلي وجلاء النفس. بيريسفوني تخرج من عذريتها “الاغتصاب” كإمرأة أكثر وعياً ونضجاً.
وقد ذهبت المراهقة الساذجة، وهاهي تعانق أمها من جديد من منظور الانبعاث والتكامل الأعظم. فالعملية ستستمر، بعودتها كل سنة إلى مملكة بلوتو، لأنَّ “الانضمام الحقيقي لا ينتهي أبداً”؛ وقد تكون هناك نقطة مميزة حيث تبدأ العملية، دون أن تكون هناك نقطة للنهاية.
وفي العادة، عندم يلمس كوكب ما بلوتو، نشعر كما لو أنَّ تلك الأشياء التي يمثلها لها ذلك الكوكب قد تعرضت لمكروه ما في الحقيقة، وأنها قد انتهكت، وتم الاعتداء عليها وأخذها عنوةً، أو قد تكون كذلك في المستقبل.
وكثيراً ما نشعر بالاضطهاد فيما يخص الكواكب التي يمسها بلوتو. أو على الأقل فهذا هو ما نمر به في حالة الاقتران والزوايا الصعبة. فمثلاً الشخص الذي يظهر في خارطته اقتران القمر مع بلوتو يشعر دائماً بأنَّ مشاعره قد جرحت في الماضي، وتعرضت للعبث، بل سحقت تحت أحذية غليظة تبرز من نعلها المسامير، ودائماً ما يكون هنالك خوف هائل من تكرر مثل الانتهاك مرة أخرى.
الشمس-بلوتو يشعر في معظم الأحيان بأنَّه قد تم/أو سيتم تجريده من هويته. ومع الزهرة-بلوتو فقد يكون في بعض الأحيان تأريخ من الاغتصاب الفعلي، أو الإبعاد عن عاطفته قسراً (الزهرة)، أو إرادته (المريخ).
ويستحيل علينا أن نعيش حياةً هادئة خاصة في النواحي التي تحكمها الكواكب المتصلة ببلوتو. ويمكننا من خلال هذه الاتصالات أن نسترق نظرةً إلى العالم السفلي، في صورة اللاوعي الذاتي، وعلى ما أظن، أكثر الصور قبحاً في اللاوعي الجمعي.
وهذه النظرات المختلسة والتي ربما لا تكون سارةً، قد تغيِّر من فهمنا للأحكام الكواكبية المعقدة، وفي العادة عندما يتصل بلوتو بكوكب ما، فإنه يخلق شعوراً بانتهاك قديم، ولكنه يدفن سريعاً وعميقاً وربما يظل مقبوراً لعدة سنوات حتى يجد معبراً مناسباً.
وقبل أن يظهر مرة أخرى، وتكون هنالك فرصةً لاستيعابه بالكامل، غالباً ما يكون هنالك خوف هائل يحيط بالكوكب المعنيّ، خوفٌ يعلن عن نفسه من خلال رغبةِ استحواذيةِ قهريةِ لمنع شيء ما من الدخول. كأنما لو كنا – إلى حد ما- نعرف أننا سوف نتعرض لاغتصاب، وبالكاد ربما نتذكر حدوثه في الماضي، وعليه نحصن أنفسنا ضد حدوثه المستقبل. وأينما كان بلوتو، فنحن في العادة سنحاول إغلاق الباب جيداً. واسم حادس (Hades) يستخدم في العادة بمعنى ” الخفي” وفي الأسطورة كانت خوذة حادس هي التي تجعله كذلك. بلوتو جاء من كلمة تطلق على ” الثروات” وكان هو من تسلَّم الكنوزَ المدفونةَ. وربما الكنز المدفون التابع للكواكب التي يتصل بها بلوتو يكمن في عمق فهمنا لما يتعلق بتلك الكواكب. ربما نميل لتكوين صورٍ مظلمةٍ جداً عن العالم السفلي، لأننا مصابون بالرعب من تلك الأشياء التي لا يمكننا رؤيتها أو إدراك كنهها وهذا شيء طبيعي للغاية. وهذه الأشياء المخبأة دائماً ما تكون الأقوى وبنفس الكيفية، تكون أكثر جوانب روحنا لاوعياً هي أخطرها على الإطلاق، ولكن بجانب كل ذلك القبح فهنالك في الغالب كنز مدفون، وهو الجائزة التي نلقاها نظير البحث عن المؤونة في عرين بلوتو.
في الأسطورة، لم يكن العالم السفلي مكاناً سيئاً كهذا، وكان حادس سعيداً بما يكفي للإقامة هناك، وقد غادره في مناسبتين فقط. وفي معظم الاساطير، يكون العالم السفلي، مكاناً أقرب إلى المنطقة الوسطى (الليمبوس)، أو المعتزل منه إلى مكان في الجحيم، ولكنه تحول إلى مكان للعدالة، حيث تتلقى كل روح ما تستحقه بالضبط.
والكواكب التي يمسها بلوتو تعمل في أغلب الأحيان من موقع ” المعتزل” لفترات طويلة من الزمن ، أو على وجه أكثر تحديداً من الليبمبوس فيما تمثله اتصالاتها ببلوتو. (وتعريف الليمبوس هو دهليز في منطقة وسطى بين الفردوس والجحيم، وبشكل خاص لغير المعمَّدين)
وكان اكتشاف بلوتو تقريباً في فترة برزخية. وقد كان للعالم الفلكي بيرسيفال لوويل، وآخرون شكوكاً حول وجود بلوتو منذ العام 1915، ولكن لم يقطع الشك باليقين حول وجوده قبل عام 1930، أي بعد خمسة عشرة عاماً، وعلى يد رجل رجل آخر، هو كلايد تومباو. وهذا هو ما يشبه إلى حد كبير طريقة عمل بلوتو في الخارطة: شيء ما مدفونٌ ومخبأٌ عن العيون ربما لسنوات طويلة، ولكنه شيئاً فشيئاً يأخذ طريقه إلى السطح.
وبلوتو لا يرمز فقط على الأسرار والخبايا بشكل عام لكنه أيضاً مسئول عن الكشف والتجلي لكل ما هو مخبأ ومستتر. وهو كحيوان خُلْدٍ يصل دائماً في النهاية إلى السطح من أجل الهواء، وكذلك هي شؤون بلوتو، تخرج إلى النور في آخر الأمر. ويطول وقت خروجها، على قدر عمق مدفنها، و كلما كان الجهد المبذول لإبقائها في الخفاء عظيماً، تكون تبعات خروجها إلى السطح أكثر تدميراً، وتتعاظم قدرتها على تغيير الذات.
والتحول، الموت، الولادة الثانية، هي بعض الكلمات المفتاحية لبلوتو، والتي قد يثرثر بها الفلكيون مثلي كما لو أنهم يتحدثون عن حبوب الإفطار. والكلمات هي بالتأكيد الكلمات الصحيحة، لكن وقعها يوحي بالموت؛ ربما فقدت معناها بسبب الاستخدام المفرط. ولكن هذه الكلمات ليست بذات فائدة تذكر في مكابدتنا لتحديد المعاني التي يضفيها بلوتو على خارطة الميلاد، وذلك لأنَّه بإمكاننا فهم هذا الكوكب فقط- إن لم يكن على الإطلاق- من الداخل، ومن خلال التجربة الشخصية. وليس هنالك في الحقيقة كلمات تستوعب ضخامة وعمق المسائل التي يرمز إليها بلوتو. وقضايا بلوتو هي – بالنسبة لي- ومهما يحدث فإنها في نهاية الأمر جدُّ عصيةٍ على الإدراك.
وعند التركيز على مفهوم “الموت” للحظة، فإنَّ الموت الطبيعي للنفس ما زال يبدو- من خلال تجربتي، إلى حد كبير ضمن مجال حاصد الأرواح، زحل، رغم أنَّ بلوتو يكون في العادة نشطاً جداً في الخرائط، عندما يموت شخص عزيز علينا، لأنَّ هذا النوع من الموت يشير إلى تحولات شخصية لمن يبقى حياً من بعده.
ويبدو جلياً أنَّ هنالك عدة أنواع من الموت غير الموت الطبيعي، وأيّ تحول رئيسي في حياتنا بلا شك، يتضمن موت شيء ما: التجرد من النوافل، وموت القيم، والأفكار والمواقف الخاطئة، والتحول من حالة كينونة إلى أخرى. إنَّه ذلك النوع من الموت الذي يختص به بلوتو.
ويربط ستيفن أرويو بلوتو بفكرة المحرَّم ” التابو”. ويقال إنَّ ريتشارد آيدمان هو أول من وضع هذه المفردة. وشخصياً أجد أنَّ الاقتراب من بلوتو من مفهوم التابو يكاد يكون أسهل وأفضل الطرق للولوج إلى ذلك الكوكب.
وتشمل تعريفات المحرم “التابو”:
محظور على/أو مكرّسٌ لاستخدام أو غرض خاص، أو يُقصَر استخدامه على الإله، أو الملك أو الكاهن بينما يحضر على الآخرين.
الحظر المؤقت أو الدائم من أعمال أو أطعمة معينة، أو تلقي الاتصال من الآخرين.
يوضع تحت الحظر(التابو): أي يعطى مكاناً مقدساً، أو طابعاً مميزاً لشيء يحظر استخدامه في الاغراض أوالتعاملات العادية.
وعليه فإنَّ لبلوتو نوع خاص من طبيعة ” الثمرة المحرمة”. ومما يثير الاهتمام الجانب المقدس من كلمة “تابو”، لأنَّ مسائل بلوتو غير متاحة للمراقبة من واجهة المتجر. وجزء من السبب في صعوبة فهم بلوتو أنه، كقاعدة، أنَّ الناس قليلاً ما يحبون التحدث عن قضاياه في حياتهم أو حتى فهمها. فقضايا بلوتو الولادية أكثر قابلية للظهور في الأوضاع العلاجية طويلة المدى عنها في أيِّ استشارة فلكية لمرة واحدة، بالرغم من أنَّ الناس يأتون بانتقالات بلوتو إلى الاستشارة بالطبع.
وهنالك أيضاً شيء ما مقدس حول الخبرات التحولية الكبرى في حياتنا، فإنها ليست للمشاركة إلا مع من نثق فيهم حقاً.
ما كان محرَّماً أو مقدساً في ثقافة ما أو فترة معينة من الزمن ليس هو نفسه ما يتم تحرَّيمه عادةً في الآخرى. وعليه فيمكننا ربط بلوتو بقضايا الظل الجمعي؛ وهذه الأشياء التي لا تستطيع ثقافتنا المعينة أن تعترف بها، أو “تملكها”. وعندما يتصل بلوتو بكوكبِ ما في الخارطة، فنحنُّ في العادة مجبرون على الاعتراف ليس فقط بشيء ما محرَّمٌ علينا شخصياً بل محرّمٌ معين في ثقافتنا، ومن خلال وسائل الكوكب الذي تشكل معه الزاوية.
في بعض الأحيان ربما يشكل هذا تهديداّ بتجاهل المجتمع لنا، أو هكذا نعتقد، والذي هو سبب آخر لأن تكون لدينا حاجة ماسة لمداراة مشاكل بلوتو وإخفائها عن أنفسنا وعن الغير أيضاً.
مهما كان ما يلمسه بلوتو في الخريطة فهو في الغالب يمسه سراً. فالشمس وبلوتو كتوم فيما يخص الذات، والزهرة-بلوتو تدل على وجود مشاكل حول علاقات الحب ” السرية”، أو الأموال المخبأة سراً في مكانٍ ما؛ ومع المريخ-بلوتو، فقد يكون هنالك اسرار جنسية- وهكذا. فالسرّ هو جزء من المعرفة خاص أو مخبأ؛ وهؤلاء المطّلعين عليه أكثر قوة من غيرهم ممن لم يدركوا كنهه. وكلٌّ شيءِ مخبأٌ، وغيرُ مرئيٍّ، ومجهولٍ، وغير معروفٍ دون شكٍ يحمل قوةَ أكبر بكثير من تلك الأشياء التي تكون في العلن. وفي معظم الأحيان تكون هذه المجالات مخيفة لمن لا يستطيعون الوصول لها، وبالتالي تستخدم كسلاح ضدهم ممن يستطيعون ذلك.
ولكن المعرفة السرية لا تُكتَم في الاساس بهدف الإضرار بشيء ما ولكن بغرض المحافظة على النفس والنجاة، وبلوتو دائماً معنيَّ بالنجاة. وإن كان لدينا كوكبٌ مرتبطٌ ببلوتو، فقد نرغب في كل ما يمثله ذلك الكوكب لينجو (أو على الأقل ليحتفظ بالقوة اللازمة لقتل نفسه)، ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن الآخرين يريدون التفريق بيننا وبينه، وذلك لأن بلوتو يميل دائما إلى جنون الارتياب. وعادة ما نختبر الشعور بالقوة الفائقة، أو بالعجز الشديد فيما يخص هذه الكواكب المتأثرة ببلوتو. وتتعدد استخداماتنا لتلك القوى. وبينما هي بالتأكيد القوة وراء أكثر الأخطار تدميراً فهي أيضاً القوة التي يمكن استخدامها في الخير.
لنعد إلى مفهوم المحرَّم “التابو” ففي ثقافتنا مشاعر الغضب، والعنف وأي مشاعر غريزية أو بدائية، أو غير حضارية فهي محرَّمة، مثلها مثل الموت والجنس. وكل أنواع الاغتصاب، وكل أنواع الأخذ عنوةً محرَّمةٌ أيضاً. وبالتحديد فلا تُستخدَم مع بلوتو عباراتٌ مهذبةٌ مثل ” هل تمانع؟ شكراً جزيلاً” ، ولا ينبغي لبلوتو أن يشغل نفسه بالكوارث والقضايا الأساسية للحياة، بما في ذلك الموت والولادة. وفي مثل هذه الأوقات ستكون الأخلاق شاذة إلى درجة البشاعة.
كتابي المفضل حول بلوتو لا علاقة له بالفلك، إنه كتاب تحليلي نفسي عن الانتحار والروح لجيمس هيلمان، والذي يشغل نفسه بالموت، والانتحار والتحول.
ويفترض هيلمان في كتابه أنِّ الحاجة إلى الانتحار هي في الحقيقة “حاجةٌ إلى التحول الخاطف”. ويقول ” إنه ليس موتاً قبل الأوان كما قد يقول الطبيب، ولكنه رد فعلٍ متأخرٍ لحياةٍ مؤجلةٍ، والتي لم تتحول في تقدمها”. (اقتباساتي).
وعندما يُلمس كوكبٌ ما بواسطة بلوتو فإنه عادةَ ما يشعر بأنّ تلك الأشياء التي يمثلها ذلك الكوكب تحاول الانتحار، تحاول تدمير أنفسها سعياً لنوعٍ ما من التحول الخاطف”.
ومثل زحل، والد بلوتو، فإن بلوتو دائما ما يُصعِّد ردود الأفعال المتأخرة، فيعطيها تحولاً متأخراً لكنه ساحقٌ للغاية.
وكما يقول هيلمان فإن التحولات تبدأ من نقطةٍ حيث لا أمل ولكن فقط اليأس. وهنالك أوقات عادية في الحياة (تحفزها الانتقالات) عندما تتصل الكواكب ببلوتو تقع كارثة مثل هذه. ولكنها تكون فقط عندما نصل إلى الحضيض، عندما يموت كل الأمل، ويحدث ذلك التحوُّل.
وبالضبط في تلك النقطة من الموت تظهر حياة جديدة. وعندما يملس كوكباً ما بلوتو، يكون هنالك ميل في العادة إلى كل شيء يرمز له ذلك الكوكب ليمر بفترات من الانحدار إلى الأعماق، وتتداخل مع فترات من الليمبوس الظاهر.
ووضعيات بلوتو ربما تكون الأصعب مكابدة، ولكن استكشافاتها دائماً ما تتمخض عن مكاسب عظيمة. وكما يقول هيلمان: ” تجربة الموت ضرورية للانفصال عن التدفق الجمعي للحياة، ولاكتشاف الفرادنية”.

المصدر : آسبكتس سو تومبكنز

Comments

comments